أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

429

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وَعْدَ اللَّهِ » على المصدر المؤكّد لنفسه و « حَقًّا » على المصدر المؤكّد لغيره ، ف « وَعْدَ » مؤكد لقوله « سَنُدْخِلُهُمْ » ، وهو مفهوم مما قبله ، و « حَقًّا » مؤكّد لقوله : « وَعْدَ اللَّهِ » . و « قِيلًا » نصب على التمييز . والقيل والقول والقال مصادر بمعنى واحد ، ومنه قوله تعالى : « وقيله يا رب » « 1 » . قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ : في « لَيْسَ » ضمير هو اسمها ، وفيه خلاف : فقيل : يعود على ملفوظ به ، وقيل : يعود على ما دلّ عليه اللفظ من الفعل ، وقيل : يدلّ عليه سبب الآية . فأمّا عوده على ملفوظ به فقيل : هو الوعد المتقدّم في قوله « وَعْدَ اللَّهِ » وهذا ما اختاره الزمخشري قال : « في ليس ضمير وعد اللّه أي : ليس ينال ما وعد اللّه من الثواب بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب . والخطاب للمسلمين لأنه لا يؤمن بوعد اللّه إلا من آمن به » وهذا وجه حسن . وأمّا عوده على ما يدلّ عليه اللفظ فقيل : هو الإيمان المفهوم من قوله : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » وهو قول الحسن وعنه : « ليس الإيمان بالتمني » . وأمّا عوده على ما يدلّ عليه السبب فقيل : يعود على مجاورة المسلمين مع أهل الكتاب ، وذلك أنّ بعضهم قال : « ديننا قبل دينكم ، ونبينا قبل نبيكم ، فنحن أفضل » ، وقال المسلمون : « كتابنا يقضي على كتابكم ، ونبينا خاتم الأنبياء » فنزلت . وقيل : يعود على الثواب والعقاب أي : ليس الثواب على الحسنات ولا العقاب على السيئات بأمانيكم . وقيل : قالت اليهود نحن أنبياء اللّه وأحبّاؤه ، ونحن أصحاب الجنة ، وكذلك النصارى . وقالت كفار قريش : لا نبعث ، فنزلت أي : ليس ما ادعيتموه يا كفار قريش بأمانيّكم . وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بن نصاح والحكم « 2 » والأعرج : « أمانيكم » ، « ولا أماني » بالتخفيف كأنّهم جمعوه على فعالل دون فعاليل كما قالوا : قرقور وقراقير وقراقر ، والعرب تنقص من فعاليل الياء ، كما تزيدها في فعالل نحو قوله : 1663 - . . . * . . . تنقاد الصّياريف « 3 » وقوله : مَنْ يَعْمَلْ جملة مستأنفة مؤكدة لحكم الجملة قبلها . وقرأ الجمهور « وَلا يَجِدْ » جزما ، على عطفه على جواب الشرط ، وروي عن ابن عامر رفعه ، وهو على القطع عن النسق . ثم يحتمل أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا ، كذا قيل ، وفيه نظر من حيث إنّ المضارع المنفي ب « لا » لا يقترن بالواو إذا وقع حالا . قوله : مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ « مَنْ » الأولى للتبعيض لأنّ المكلّف لا يطيق عمل كل الصالحات . وقال الطبري : « هي زائدة عند قوم » . وفيه ضعف لعدم الشرطين . و « من » الثانية للتبيين . وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه الضمير المرفوع ب « يَعْمَلْ » . والثاني : أنه الصالحات أي : الصالحات كائنة من ذكر أو أنثى ، وقد تقدّم إيضاح هذا في قوله : لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى « 4 » والكلام على « أَوْ » أيضا . وقوله : « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » جملة حالية من فاعل

--> ( 1 ) سورة الزخرف ، الآية ( 88 ) . ( 2 ) الحكم بن ظهير أبو محمد الفزاري الكوفي انظر غاية النهاية ( 1 / 257 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية ( 195 ) .